الرياء خطير ولاشك ، نسأل الله العافية منه ، ومن أخطر ما فيه أنه
خفي ويأتي على وجوه متعددة ، ويحتاج المتعبد إلى يقظة تامة وفقه سديد في التعامل
معه ، ومما يبتلى به بعض المتعبدين وسواس الرياء والذي يجعلهم يتركون بعض أورادهم
وأعمالهم الصالحة خوفاً من المراءاة ، وهذا باب خفي يدخل منه الشيطان على الإنسان
ليحد من عبادته ويوقعه في الشكوك ويؤذيه بالوسواس، فضلاً عن كونه قد يمنعه من إيصال
الخير للغير خوفاً من الرياء ، فقد يترك المتأهل للإمامة أو الخطابة أو التدريس أو
التأليف شيئاً من ذلك خوفاً من الرياء ، وهو بذلك قد وقع في مثل ما فرَّ منه إن لم
يكن شراً منه.
وقد نبه النووي رحمه الله (الأذكار) على هذه اللطيفة فقال: "
لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفاً من أن يظن به الرياء ، بل يذكر
بهما جميعاً ، ويقصد به وجه الله تعالى ،
وقد قدمنا عن الفضيل بن عياض : أن ترك العمل لأجل الناس رياء ، ولو فتح الإنسان
عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز عن طرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب
الخير وضيع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين وليس هذا من طريقة العارفين"
[الأذكار ص33]. ونبه عليه شيخنا العلامة
محمد بن صالح العثيمين عندما ذكر مشروعية أن يقول الصائم لمن سابّه أو شاتمه: إني
صائم، قال في [الممتع 6 / 432]: " وينبغي للإنسان أن يبعد عن نفسه مسألة
الرياء في العبادات لأن مسألة الرياء إذا انفتحت للإنسان لعب به الشيطان حتى إنه
يقول له : لاتطمئن في الصلاة أمام الناس لئلا تكون مرائياً ، وحتى يقول له: لا
تتقدم للمسجد لأنهم يقولون : إنك مراءٍ ، ويقول: لا تنفق لأنهم يقولون: مراءٍ ،
وأيضاً فإنه إذا اتبع السنة ( أي في قول الصائم لمن سابه أو شاتمه: إني صائم ) قد
يكون قدوة لغيره. فمثلاً لو دعاك أحد لغداء في أيام البيض وقلت: إني صائم حصل بذلك
تمام العذر لأخيك فعذرك ، وربما يقوده ذلك إلى أن يصوم فيقتدي بك ، فالمهم أن باب
الرياء ينبغي أن لا يكون على باله إطلاقاً، والله سبحانه مدح الذين ينفقون أموالهم
سراً وعلانية حسب الحال قد يكون السر أفضل وقد تكون العلانية أفضل " أ.ه
مادام الإنسان يعلم من نفسه أنه يقوم بهذا العمل على كل حال رأه
الناس أم غاب عنهم فليعمله ولا يبالي برؤية الناس ولا بخواطر الرياء التي يشوش بها
الشيطان عليه.